ابن سبعين

64

رسائل ابن سبعين

وهو آخر الأقسام وهو مرادك : وهو الفقر الذي يشرحه عرف الفقراء في زماننا هذا ، ومقصودنا شرحه وبثه على أكمل ما يمكن بحول اللّه تعالى . فنبدأ فنقول : [ حكمة الأولى الفقر هو الصبر على المكروه ] الفقر هو الصبر على المكروه ، وشكر المنعم الحكيم ، والفتوّة المحضة ، ورفع الأذى كله ، وفعل ما يجب كما يجب على ما يجب في الوقت الذي يجب ، وتتفق دعوته التي داخل الذهن مع التي خارج الذهن ، ويطلع بالتركيب إلى بده ، ويهبط بالتحليل إليه ، ويدور بجملته عليه ، ويجعل الفقر الذي اتصف به نفسه وقصده ومقصوده دائرة وهمية ، ويجمع الوجود المقيد كله في نقطتها والمطلق في محيطها وينظر إلى الخطوط الخارجة من النقطة المذكورة إلى المحيط المذكور في خلده ويراها متساوية وينسبها . وينظر إليها ثانية من المحيط ويحذف الوسائط ويبصر الواسع في الضيق وينظر الأشياء في نفسه ثم يقطع حبل النظر والمنظور فيه من حيث المجاز والشفع ، ويصل حبل النظر والمنظور فيه من حيث الحقيقة والوتر ، ويصل مع ذلك النقطة المتقدمة بالمحيط ويجعلها جزء ماهيتها ، ثم يحقق الأمر ثانية ويجعلها ماهية واحدة ويقول : « ليس إلا الأيس فقط » و « هو هو » ويتصفح قوله ويتأول ما يلزم عنه ، ويقطع الإشارة كما قطع العبارة ، ويسكن في شأنه ويهمل مهمله ومخصصه من كل الجهات ويقف في ثلاثة مواطن ويموت ويحيا في خمس مواطن ، ويبعث من شأنه ويقذف في موضوع سره المشهور بالبرهان أن آنية اللّه هي أول الآنيات وآخر الهويات ، وظاهر الكائنات وباطن الأبديات . ويحدث في نفسه بالإسلام فيخبر عنه على غير ما كان يخبر ، ويحدث قبل ذلك ويشهد والمشهود والشهادة بشهادة الإنصاف ، ويعكس الضمير الأول على المخاطب الثاني ، ويتوب من اللواحق ومن الحروف التي تجر إلى الإضافة ويشعر بها ويقول : « كل من في العالم بأسره لا يفعل شيئا واللّه هو الفاعل خاصة » ثم يمحص مدلول كلامه ويخلّص جميع ما ارتهن فيه وينطق بالحق ويحذف المجاز وجميع ما يجر إليه ويلزم منه وعنه ، ويقول : العالم ميت بجميع ما فيه من مفارق للمادة وغير مفارق لها ، فلا حي على الحقيقة إلا اللّه . ثم يتفقه في الإطلاقات باقترانها مع المضافات وارتباط بعضها ببعض ويقول : ما خالف

--> تدقيق : ما أتى باب الغني الكريم فقير فخاب ، ولا قصد حماه فغلق دونه الأبواب . على بابك الأعلى مددت يد الرجا * ومن جاء هذا الباب لا يختشى الردى